الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

74

نفحات القرآن

ومن الجدير بالذكر أنّ الآية الأولى تختص بالمؤمنين والآية الثانية بالظالمين ، وهذا يدل بوضوح على أنّ الجميع من المحسنين والمسيئين سوف يستولي عليهم الرعب في ذلك اليوم المفزع ، وذلك ( لجهل الناس بعواقب أعمالهم بسبب الدقة والشدة في الحساب الإلهي فلا أحد يعلم بالضبط إلى اين ينتهي مصيره . « تتقلب » : بمعنى انقلاب الشيء رأساً على عقب وبمعنى التحوّل ، وللمفسرين تعابير مختلفة في تفسير هذه الجملة تشير جميعها إلى الخوف والاضطراب الشديد الذي يهيمن على ظاهر وباطن الإنسان وعلى بصره وبصيرته . « تَشْخَصُ » : من مادة « شخوص » بمعنى توقف العين والأجفان عن الحركة والتركيز بالنظر على نقطةٍ دون التفات . والأصل في « شخوص » على وزن ( خلوص ) هو بمعنى القيام أو الخروج ، و « الشخص » من حيث إنّه يبدو من بعيد على هيئة بارزة اطلق عليه كلمة شخص ، وخروج الإنسان من محلٍ آخر يطلق عليه الشخوص أيضاً . و « شاخص » : المشتق من نفس هذه المادة أيضاً بمعنى الجسم المرتفع الذي يستخدم لقياس الوقت وأمثال ذلك « 1 » . وبما أنّ عين الإنسان حين التعجب والتحديق كأنّها تريد أن تخرج من حدقتها فقد استعمل هذا التعبير في عدة موارد ، بلى إنّ الناس في عرصة المحشر يصبحون أُسارى الخوف بنحوٍ يجعل عيونهم تتوقف عن الحركة وتشخص وكأنّها تريد أن تخرج من حدقتها ، وهذه الحالة تظهر لدى الإنسان أحياناً في حال الاحتضار . ومن البديهي أن تكون هذه الحالات أشد بكثير عند المذنبين والمجرمين ، ولذا جاء في القرآن المجيد : « وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا » . ( الأنبياء / 97 )

--> ( 1 ) مفردات الراغب ؛ ومقاييس اللغة ؛ والمصباح ؛ والتحقيق في كلمات القرآن الكريم .